2019/09/27

الدكتورة امينة رضوان : تشغيل القاصرين في مدونة الشغل الواقع والآفاق ...





شهـد القرن العشرون تطورا كبيرا لمفهوم حقوق الإنسان وتزايد الاهتمام الدولي بوضع القواعد والاتفاقيات التي تكفل حقوق الإنسان وتحفظ كرامته، وفي خضم هذه المسيرة انتبه المجتمع الدولي إلى الواقع السيء الذي تعيشه الفئات الخاصة كالأقليات والنساء ف، حيث اتجـه نحـو وضع اتفاقيات خاصة بكل منها على حدة، مما نتج عنه عدد من المواثيق والنصوص القانونية الدولية، التي تهدف إلى تحقيق العدالة والرفاهية والمساواة لكافة البشر، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أوالجنس، ونال الطفل نصيبه من هذه الاتفاقيات والإعلانات التي عالجت احتياجاته ومتطلباته ليعيش حياة كريمة تراعى فيها مصلحته الفضلى بعيدا عن أية عوامل قد تمس بسلامته الجسدية والنفسية. وحق الطفل هو حق غريزي، تفرضه الفطرة، وتحفظه الإنسانية وتؤمنه طبيعة الوجود، وتحميه التعاليم السماوية وتنظمه القوانين الوضعية في مختلف مجالاتها.
والحق في الحياة والنمو والحفاظ على مرحلة الطفولة في طورها الطبيعي، هو حق أصيل تتفرع عنه حقوق أخرى تخدم أغراضه، وتنظم اتجاهاته، وتحيط الطفل بسياج متين من الحماية حتى يصل إلى مرحلة الشباب سليم الجسم، موفور الأمان، عندها يعتمد على نفسه، ويتعرف على واجباته إزاء ما توفر له من حقوق بغير مقابل خلال مرحلة الطفولة 
ويصعب إعطاء تعريف لظاهرة تشغيل القاصرين باعتبارها مفهوما معقدا فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية، وعموما يقصد بها حسب المفهوم الدولي: "أي نشاط اقتصادي، ولو في نطاق الأسرة وبدون أجر، من شأنه أن يؤدي في نهاية الأمر إلى اختلال العناصر السابقة المكونة لحياة أي قاصر، بل والتأثير على نموه الجسدي والنفسي".
وعلى هذا الأساس يعد موضوع تشغيل القاصرين من المواضيع المعقدة التي تشغل بال الرأي العام الدولي والوطني لكونه يهم مستقبل أبرز الشرائح داخل المجتمع، ألا وهي شريحة الأطفال الذين هم نساء ورجال المستقبل والرأسمال الأساسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد، وهذه الظاهرة ليست بالظاهرة الجديدة في عالمنا، بل عرفتها المجتمعات من القدملأسباب متداخلة، حيث يعد الفقر والحاجة من بين دواعي تشغيل القاصرين، فالكثير من الأسر تدفع إلى تشغيل أبنائها في سن مبكرة، من أجل توفير لقمة العيش، وهذه شهادات مجموعة من نزيلات مركزي حماية الطفولة بالدار البيضاء تقول خديجة "إن ما تعيشه أسرتيمن فقر مدقع دفع بأبي إلى أن يدفع بي وإخوتي إلى الاشتغال في سن 7 سنوات" والجهل 
والأمية عامل ودافع آخر لاستفحال هذه الظاهرة، لكون الأسر التي تتصف بهذه الخاصية السلبية لا تحرص على تعليم أبنائها، لأنه لا فائدة في تعليمهم حسب نظرها، وإلى جانب هذين العاملين هناك العامل الثقافي المترسب في بعض فئات المجتمع التي ترى بأن التحاق الطفل بحرفة ما يضمن له الاعتماد على نفسه عندما يصبح يافعا، وهذا ما يجد تفسيرا أوسع في نظرية القرار الأسري"، حيث تشير هذه النظرية إلى أن الطفل مسلوب الإرادة، ولا يستطيع تقرير مصيره بنفسه، وبناء على ذلك، فإن الأبوين يقرران عنه بما يتوافق مع مصالحهما ويخدم ويحقق رغباتهما، وبالموازاة مع ذلك نجد السبب المتمثل في قلة المدارس وارتفاع تكاليف الدراسة، فعدم وجود المدارس في المناطق القروية يدفع الأسر إلى الامتناع عن تعليم أبنائها خاصة عندما يتجاوز الطفل المستوى الابتدائي، وارتفاع تكاليف الدراسة يشجع على دفع الأسر بأبنائها إلى عالم الشغل بكل سلبياته. حقا إن المشرع المغربي أصدر منذ 13 نونبر 1963 ظهيرا متعلقا بإلزامية التعليم الأساسي الذي يقضي بإجبارية التعليم الابتدائي للأطفال المغاربة ذكورا وإناثا ما بين سبع سنوات وثلاثة عشر سنة، والذي عمل على تعديله بمقتضى الظهير المؤرخ في 19 ماي 2000، حيث بمقتضاه أصبح التمدرسإجباريا ما بين ست سنوات إلى غاية خمسة عشر سنة، وأن الدولة تلتـزم بتوفيره لهم مجانا في أقرب مؤسسة تعليمية عمومية لمكان إقامته، فإنه مع ذلك يبقى العامل الأول المتمثل في الفقر  كفيل بجعل الآباء يحجمون عن تعليم أبنائهم لسبب بديهي يتمثل في ارتفاع تكاليف ومتطلبات الدراسة، وبارتباط مع هذه الأسباب هناك السبب الاقتصادي المتمثل في تدهور الاقتصاد وانتشار التضخم وارتفاع مستوى الأسعار وتفاقم المديونية وانعكاس كل ذلك على مختلف القطاعات بما فيها الطفولة نظرا لتحويل الحكومات جزء من خدماتها الأساسية لسد العجز، وبخصوص العامل الاجتماعي، فيصعب النظر إليه من جانب واحد لتعدده من جهة وتداخله من جهة أخرى، نذكر من ذلك الاعتقاد السائد لدى كثير من الأسر بعدم جدوى التعليم لسوء البرامج التعليمية، وعقم المناهج الدراسية وخلوها من التحفيز على الإبداع ورعاية المبدعين وافتقار المدرسين إلى الأساليب الحديثة التي تحث على التفكير بدلا من التلقين الذي يقتل ملكة الإبداع عند الطفل، ثم عدم وعي بعض الأسر لأبسط حقوق أطفالها . وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن هناك عوامل وأسباب أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها تتمثل في تشجيع المشغلين لظاهرة تشغيل القاصرين أو الأطفال، لعدة عوامل نذكر منها : قلة أجور القاصرين، الطاعة العمياء، عدم 
شمولهم بالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي، سهولة الاستغناء عنهم، عدم امتناعهم عن الشغل لساعات طوال، وعدم مشاركتهم في نزاعات الشغل . كذلك هناك أسباب مماثلة تشجع على تشغيل الأطفال تتجلى في إنجاب الأسرة الواحدة لأكثر عدد من الأطفال، انتشار ظاهرة الزواج المبكر في بعض المجتمعات الشيء الذي يزج بالطفل في عالم الشغل ويجعله يتكبد نفقات الزواج، انتشار ظاهرة الثأر في بعض البلدان يجعل الطفل يعيش في اضطراب نفسي لا يستطيع معه التركيز في دراسته وتعليمه، مما يجعله يتخلى عن الدراسة ويلج عالم الشغل، أضف إلى ذلك انتشار المنظمات المتاجرة في الأطفال وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول والحروب الأهلية والتفكك العائلي وانفصال الأبوين نتيجة طلاق أو بدونه وفقدان معيل الأسرة إلى غير ذلك من العوامل التي تزيد من استفحال ظاهرة تشغيل الأطفال مما حذا بمشرعي الدول على اختلافها إلى سن قوانين تنظم وتحظر تشغيل القاصرين أو الأطفال، ولقد كان لانجلترا قصب السبق في تنظيم تشغيل الأطفال من خلال القانون المؤرخ في 22 يونيو 1802، وفي سنة 1815 وجه أحد رجال الصناعة الانجليزيين "روبيروان" نداءات يهدف من خلالها إلى إدخال تدابير في جميع البلدان من أجل حماية الأجراء من الجهل والاستغلال، معطيا المثال بنفسه من خلال تخفيضه مدة الشغل اليومي إلى عشر ساعات ونصف في اليوم وامتناعه عن تشغيل الأطفال الذين تقل سنهم عن عشر سنوات، وبعد ذلك صدر قانون المصانع بانجلتراسنة 1833 الذي عمل على حماية الأطفال أثناء الشغل والذي طبق على أجراء صناعة النسيج، وتلت هذه القوانين التي صدرت بانجلترا القانون المتعلق بحماية الأطفال من حوادث الشغل الصادر سنة 1844، كما أنشأ نظام الشغل نصف اليومي حتى يتفرغ الطفل في النصف الآخر للتعليم.
وقد أعقبت انجلترا ولاية زيوريخ بسويسرا بالقانون الصادر في 7 نونبر 1815، ولم يبدأ رد فعل فرنسا ضد الوضعية التعسفية للأطفال إلا في العام 1840، حيث صدر أولا القانون المؤرخ في 22 مارس 1841 المتعلق بحماية الأطفال في حين نقص القانون الصادر سنة 1822 من جديد مدة الشغل بالنسبة للأطفال. وأمام استفحال ظاهرة تشغيل الأطفال عملت عصبة الأمم على إصدار إعلان جنيف لحقوق الطفل الصادر بتاريخ  1924 بمثابة أول وثيقة دولية تعترف للطفل بمجموعة من الحقوق، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، ثم إعلان حقوق الطفل في سنة 1959، وبعد ذلك صدر العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1966، وعرفت سنة 1989 صدور اتفاقية حقوق الطفل، التي تظل الوثيقة الدولية الوحيدة التي حددت المفهوم الشامل لمصطلح الطفل.

ولم تكتف الأمم المتحدة بإصدار هذه القوانين بل وجهت نداءات لإنهاء تشغيل الأطفال في العالم، نذكر منه النداء الذي أصدرته اللجنة الفرعية لمقاومة التفرقة العنصرية وحماية الأقليات بجنيف التي دعت إلى اتخاذ إجراءات جديدة بشأن موضوعات كثيرة منها موضوع تشغيل الأطفال. ولم تقف الحماية الدولية بخصوص حظر تشغيل الأطفال عند هذا الحد، بل تواصلت المجهودات بتأسيس منظمة العمل الدولية سنة 1919 التي أصدرت العديد من الاتفاقيات والقرارات والتوصيات لتحقيق المعايير المتعلقة بتشغيل الأطفال.
وعلى المستوى العربي تأسست منظمة العمل العربية سنة 1965 التي أصدرت ميثاق حقوق الطفل العربي سنة 1984 الذي عمل على تأمين الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الطفل العربي.
ولم يسلم الواقع المغربي بدوره من تنامي ظاهرة تشغيل الأطفال لأسباب سنعمل على سردها، لهذا أصبحت ضرورة وضع تنظيم قانوني لاحتواء الظاهرة أمر لا محيد عنه ابتداء من ظهير 13 يوليوز 1926 المتعلق بنظام الشغل، والذي تضمن مقتضيات خاصة بتشغيل الأطفال، هذا الظهير الذي عدل بظهير 02 يوليوز 1947 المتعلق بسن ضابط الخدمة والعمل في المجال الصناعي والتجاري والمهن الحرة، والذي خصص بعض مقتضياته لتنظيم تشغيل الأطفال، فالقرار الوزاري المؤرخ في 30 شتنبر 1950 الذي حدد مختلف أنواع الأشغال المسموح بتشغيل الأطفال فيها، ثم المرسوم المؤرخ في 04 يوليوز 1957 الذي منع تشغيل الأطفال البالغين أقل من ثماني عشر سنة في مخازن التبريد، والذي تلاه ظهير 24 دجنبر 1960 المتعلق بالأعمال المنجمية المنجزة في باطن الأرض كما وقع تعديله، والذي استتبعه تعديل ظهير 25 يونيو 1927 المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية الذي غير من حيث الشكل فقط بظهير 6 يونيو 1963، هذا الأخير الذي تضمن مقتضيات تخص كيفية تحديد التعويض اليومي والإيراد الممنوح للأجير القاصر في حالة تعرضه لحادثة شغل أو مرض مهني. وفي المجال الفلاحي صدر ظهير 09  أبريل 1958 بشأن استخدام الأجراء الفلاحيين الذي تضمن مقتضيات تحظر تشغيل الأطفال البالغين أقل من اثني عشر سنة هذا الأخير الذي عدل بظهير 24 أبريل 1973 المتعلق بشروط تشغيل المأجورين الفلاحيين وأداء أجورهم.
وبمصادقة المغرب على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل سنة 1993أصدر المشرع القانون رقم 99\65 بمثابة مدونة الشغل بتاريخ 08 دجنبر 2003 التي دخلت حيز التنفيذ في 8 يونيو 2004.
ويأتي اختيارنا لموضوع "تشغيل القاصرين في مدونة الشغل: الواقع والآفاق"، انطلاقا من عدة أسباب نذكر منها :
- الوضع المأساوي الذي يعيشه الأطفال المشغلون نتيجة اشتغالهم وتشغيلهم في ظروف جد مزرية.
البحث عن أسباب تشغيل الأطفال ومحاولة إيجاد الحلول لكبتها بدلا من الاكتفاء من سن قوانين تنظم وتحظر تشغيلهم.
- قلة المساهمات الفقهية التي تناولت الظاهرة بالبحث كموضوع مستقل.
هذا وقد اعترضتني بعض الصعوبات أثناء بحثي في هذا الموضوع تتمثل في- قلة المساهمات الفقهية ونذرة الأحكام القضائية الصادرة في هذا الموضوع مما جعلني أسدّ النقص بالفقه والقضاء المقارنين.
ولما كان هذا البحث عملي أكثر منه نظري فقد استدعت الضرورة زيارتي لمجموعة من المؤسسات كمندوبيات الشغل بالبيضاء ومديرية الشغل بالرباط ومجموعة من مراكز حماية الطفولة ورعايتها، حيث زرت المؤسسة الواحدة أو المركز الواحد أكثر من مرة واحدة لصعوبة الإحاطة بالوثائق والمعطيات والمعلومات اللازمة والضرورية للبحث في الزيارة الواحدة.
وعلى رغم ذلك فإنني حاولت الإحاطة بهذا الموضوع من جانبيه النظري والتطبيقي، وبالتالي تحديد الإشكالية المنبثقة عنه انطلاقا من التساؤلات التالية :
ما هي القواعد المنظمة لحماية تشغيل الأجراء القاصرين في مدونة الشغل ؟ وما مدى نجاعتها في إضفاء تلك الحماية ؟
- هل يلزم توفر الأهلية لإبرام القاصر لعقد الشغل والعقود المرتبطة به ؟
- ما هي سن تشغيـل الأجراء القاصرين ؟
- ما هي القيود الواردة على تشغيل الأجراء القاصرين ؟
- هل عمل المشرع على تخفيض مدة تشغيل الأجراء القاصرين ؟
- هل هناك امتيازات يستفيد منها الأجراء القاصرين ؟
- هل يعتبر الفحص الطبي للأجير القاصر إجباريا أم اختياريا ؟
- هل استطاعت مدونة الشغل تلافي مظاهر النقص في المقتضيات المتعلقة بتشغيل الأجراء القاصرين الذي كان سائدا في القوانين الملغاة ؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما هي مظاهر النقص في المقتضيات المتعلقة بتشغيل الأجراء القاصرين حاليا ؟
لماذا استبعد المشرع بعض فئات الأجراء القاصرين من الاستفادة من مقتضيات مدونة الشغل؟ ولماذا أحال البعض الآخر منهم على قوانين أقل امتيازا من مدونة الشغل ؟.
- ما هي الآثار المترتبة عن تشغيل القاصرين ؟ وهل يتعرضون أثناء الشغل لمخاطر ؟
- هل يعوض الأجراء القاصرين على إثر تعرضهم للفصل التعسفي.
- كيف تنفذ الأحكام الخاصة بالأجراء القاصرين ؟ وهل تدخل الهيآتالإدارية يضع حدا لوضع النزاع أمام القضاء ؟
هل هناك حماية جنائية مقررة لتشغيل الأجراء القاصرين في حالة عدم تطبيق أحكام مدونة الشغل من طرف المشغلين ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هي الإجراءات المترتبة عن ذلك ؟ وهل هي كفيلة بجبر ضرر الأجير القاصر ؟ 
- ما دور قاضي الشغل في حماية الأجراء القاصرين ؟ وهل يصدر القاضي أحكام وقرارات مطبقة لمدونة الشغل ومنسجمة مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب ؟ وهل وفر المشرع محاكم للشغل تراعي في تنظيمها وأجهزتها خصوصيات علاقات الشغل؟  وما مكانة الاجتهاد القضائي كمصدر من مصادر القانون في إلزامية المشغلين على احترام مدونة الشغل وتطوير المقتضيات المتعلقة بتشغيل القاصرين؟
وبخصوص تقسيـم هذا الموضوع، فقد ارتأيت أن يكون وفق تقسيم ثنائي كالآتي :
* الفصـل الأول : مــظاهـر الحمايــة والنقص في القواعد المتعلقة بتشغيـل الأجراء القاصرين.
* الفصـل الثاني : مراقبـة تنفيذ المقتضيات المتعلقة بتشغيل الأجراء القاصريـن. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق