2016/03/20

الإبداعات العربية : فنانة تشكيلية ترسم الطفولة في فضاءات سحرية رولا ابو صالح ..كل وجه له قسماته وحالته النفسية الخاصة

الفنانة التشكيلية رولا أبو صالح 
ترسم الطفولة في فضاءات سحرية ..
وكل وجه له قسماته وحالته النفسية الخاصة
ـــــــــــــــــ اعداد : كوليت اسكندر سركيس ــــــــــــــــــــــ

تمتلك الفنانة التشكيلية الشابة رولا أبو صالح قدرة فنية لافتة، على الرسم الواقعي الدقيق ، حيث تعرفنا لوحاتها وجدارياتها ( يصل قياس بعضها أحياناً الى حدود 3×2 متر) المرسومة بتقنية ألوان الاكريليك والزيت، حيث تندرج أعمالها في اطار الواقعية
السحرية أوالواقعية القصوى، وهذا النمط التصويري ، يسد ثغرة  في حياتنا الفنية والثقافية، على صعيد انتاج وعرض اللوحة الحاملة ملامح واقعية على خلفية تجريدية . 
وفي أعمالها تصل رولا إلى حقائق الأشكال في ظلالها وشاعريتها وغنائيتها. ولوحاتها وإن اقتربت من الواقعية الفوتوغرافية في بعض المقاطع، إلا أنها في النهاية، ليست مجرد محاكاة لعناصر إنسانية طفولية فحسب، وإنما تمتلك القدرة على إعطاء الأشكال المرسومة نفحة تصويرية خاصة ، من خلال تحديد نقاط الالتقاء والافتراق مع الصورة الضوئية، رغم الحفاظ على كل ماتتطلبه اللوحة الواقعية من قدرة تشريحية ودقة وجلد وتأنٍ وصبر طويل في العمل. 
وبهذه الميزة يختلف الرسم الذي تقدمه، عن الصورة الضوئية والرسم التسجيلي التجاري ، وإذا كانت الكاميرا بتقنياتها الرقمية، قادرة على التقاط أدق درجات الدقة، فإن الصورة الضوئية غير قادرة على تقصي عناصر الرسم الواقعي الحديث، وتكثيف القدرة في التعبير عن الجوانب الذاتية، وفي هذا الاطار تكثف القدرة التعبيرية بإضافة لمسات فنية على تقاسيم الوجه، وبطريقة تتوافق لمساتها التجريدية في الخلفيات ، مع متطلبات اللوحة التشكيلية الحديثة والمعاصرة . 
ووجوه الأطفال في لوحاتها وجدارياتها ،  تشكل عالماً خاصاً بها ، وتجسد الصورة التعبيرية الشاهدة على ملامح الشبه، ويكفي في هذا السياق أن نتأمل " البورتريهات " التي تجسدها، حتى تتأكد هذه الحقيقة، حيث تبدو بمثابة مرآة حقيقية للصورة الواقعية ، وهكذا استطاعت الإفصاح بالظل والنور والنسب عن مختلف التعابير الصادقة، التي لعبت دورها في حياة الشخصية التي تجسدها .
وإذا كانت في تعابير الوجوه تركز لإظهار عناصر وملامح الشبه، في الشخصية التي ترسمها، فإنها من اللوحة ذاتها تصل إلى حدود الرسم الخيالي في تكوين اللوحة العام، علاوة على انها تمنح الخلفيات المزيد من اللمسات والحركات والضربات اللونية، بالرغم من حفاظها في مقاطع اللوحة على تقنيات الرسم الواقعي، الذي تتخذه منطلقاً لتخيلاتها وتصوراتها وأحلامها الفنية، التي تلتقي مع تقنيات الرسم القديم والحديث في آن واحد . 
والأهم أن واقعية رولا خاصة ، حيث ترسم بدقة قصوى في سحرية ومتجددة ، وهي تتفوق في رسم تفاصيل اللباس وخاصة " الجينز " وفي رسم اليد والأصابع والعناصر المختلفة . 
وهي تجسد بواقعية سحرية وبالحجم الطبيعي حركات الأطفال ونظراتهم . ولم تكن لوحاتها مجرد نقل تقليدي ومتشابه، بقدر ماهي موجهه لإظهار صفات وخصائص وروح كل طفل، فأعمالها تعرف الجمهور على ملامح وحركات مختلفة ومغايرة، حتى إن تفاصيل اللباس والوجوه والاطراف، المجسدة بدقة قصوى، تصل إلى حدود الواقعية السحرية والادهاش الفني، وكأننا أمام صور طفولية حية، كل وجه له قسماته وتعابيره وحالته النفسية الخاصة. 
وبعبارة أخرى لوحاتها وجدارياتها تفرض على المشاهدين نوعاً من الواقعية الشديدة الوضوح والبروز، وهذه الحقيقة نلمسها حين نتأمل ملامح الوجوه، علاوة على وجود تعابير خاصة بكل وجه على حدة، وهذه الإيحاءات تضعنا وجهاً لوجه أمام أطفال حقيقيين. فالتحدي في إنجاز هذه المجموعة الجديدة من لوحاتها، يكمن في قدرتها على التقاط التعابير الحية والمباشرة، التي تميز كل طفل عن الآخر، بما فيها من تفاصيل أو ملامح تشير إلى عالم الأطفال وأحاسيسهم البريئة . 
وهذا يعني أن رولا لم تكتف بامتلاك المهارة التقنية والدقة في تجسيد الوجوه الواقعية، وإنما تمتلك قدرات تمكنها إذا تأملنا وجهاً طفولياً، أن نقرأ فيه دلائل تميز بين تعبير وآخر. 
وإذا أردنا تحليل الوجه الذي ترسمه رولا نجد أنه يجنح نحو المثالية في محاكاة سمات الأصل بوضوح وانسجام ، دون أن تقع في فخ التأثيرات التسجيلية السهلة ، وهو تعبر في النهاية عن أبجدية أو أسلوب خاص ، تستمد قوته من مقدرتها على رسم الوجه الواحد بوضعيات أو بجلسات مختلفة ومن المدى العاطفي للمسة اللونية التي تعتمد الحركة الهادئة والعفوية في آن ( خلفيات اللوحة تبدو منفذة بارتجال لوني لا نجده في مقاطع اخرى من اللوحة) .
وعلى هذا تشكل أعمالها خطوة في اتجاه تأكيد خصوصيتها الأسلوبية ، وهي في سياق المعارض الشابة تتجاوز أزمة تعبيرية، نجدها في حدود الاختبارات التقنية والمواضيع المألوفة في فنون الدراسة الأكاديمية، وتبحث عن صياغة فنية تشكل مدخلاً لحوار حقيقي مع جمهور الفن التشكيلي النخبوي والعام .
ويكفي أن تنظر إلى لوحة واحدة فقط من لوحاتها التي أنجزتها في السنتين الأخيرتين، حتى نستدرك فضاءاتها الجمالية، التي توازن في إيقاعاتها ما بين معطيات الصياغة الواقعية والأداء التجريدي، في الخلفيات المفتوحة على التلقائية والعفوية ، وهكذا تبرز مظاهر الدمج الحيوي بين الواقعي واللاواقعي في اللوحة الواحدة ، ولوحاتها الاحدث تشكل الدافع الأول لإيجاد الركائز الفنية في صياغة لوحة فنية، لها علاقة متينة مع المناخ الواقعي والحداثة التشكيلية .