2019/09/17

الدكتور خالد عوض : بسم الله الرحمن الرحيم في ليلة الهجرة يشم النبي صلى الله عليه وسلم رائحة خديجه في حنايا المكان يسمع صوتها ورديا يفوح مثل الياسمين لن يخذلك ...




بسم الله الرحمن الرحيم
في ليلة الهجرة
يشم النبي صلى الله عليه وسلم رائحة خديجه في حنايا المكان 
يسمع صوتها ورديا يفوح مثل الياسمين
لن يخذلك الله ابدا 
كانت امراة من خارج الزمان
كان الليل معها يشرق بالنهار مثل ظبية بهية 
تحنو عليه وتدثره وتلم شعثه بالمال والبنين 
تحرسه بأسراب من حمام روحها
وكلما تمادت قريش في عتمتها كان يلقاها فيرى الشمس تجري في ضحكتها 
فاستحقت من الله بيتا في الجنة (لا نصب فيه ولا تعب) 
يجمع النبي صلى الله عليه وسلم لهاث الذكريات الاخيرة 
يفيض البيت بروحانية علوية ويبكي 
ففي ليلة الهجرة تدنو خديجة من قلب النبي صلى الله عليه وسلم 
ثم تناه ويظمأ النبي صلى الله عليه وسلم شوقا لغيمة ظلت تهطل طوال العهد المكي 
ترتبك النساء في وفرة ينابيعك يا خديجة 
أيا رحيق الجمال ونبض النبي في حبه 
يامن أنت البداية وأنت الختام 
(فلا والله ما أبدلني خيرا منها) 
فمعك كتب النبي صلى الله عليه وسلم أبجديات حب علوي فوق معاني الدهر 
وفوق ما تطيقه أفهام الحياة
ترى أكان هذا بيتا بشريا أم مدارج روحين إلتقيا على عشق الهرولة لله 
يهرولان رغم العتمة كي يصنعان للعالم مزيدا من النجوم 
خديجة يا سيدة نساء الجنة ها أنا الليلة أغادر عشا تنزلت فيه الملائكة ينتحب البيت للخطوة الراحلة وتهتز الأشواق على صوت النجوى لوداع أخير 
ويلملم النبي صلى الله عليه وسلم ما أبقت له قريش بعد الحصار 
كيف غادرت عين محمد صلى الله عليه وسلم شطأن خديجة 
ربما لو كشف لك الغيب تلك اللحظه لرأينا الحكاية في المآقي تفور بالوجد حتى تتزلزل لها الجدران 
يا ألله 
كيف يكتب الأنبياء من جراحهم تواريخ ميلادنا 
يا ألله 
كيف يغادرون اقفاص الذكريات ويسافرون غرباء في مصاعب الطرقات نختصر نحن الحكاية في سطرين وفي ضمير محمد صلى الله عليه وسلم ظلت مكه حنينا يموج بالشوق كلما هب النسيم من نواحيها العطرة 
يقف مودعا لمكان نشأته الاولى بعبرة مستورة 
والله انك لأحب البقاع إلي ولولا أن أهلك اخرجوني منك ما خرجت 
الوطن هو سترنا لكن قريش جعلته قميصا لا عروة فيه فكانت الهجرة لأجل أن يرتق عنا ألنبي صلى الله عليه وسلم العرى 
لأجل أن يطوي عنا الجاهلية وتبقينا في قائمة العبيد 
فيا للتضحيات كيف تصنع أقدار ألله من بعد الأرواح بنانا شاهدا على الرهان بأن وعد الغيب آت
يهيء النبي صلى الله عليه وسلم سريره للشاب الفتى في مشهد فريد عجيب
بين روح علي رضي الله عنه وروح النبي صلى الله عليه وسلم  
حيث لا مسافة في الحب ففي حب محمد صلى الله عليه وسلم تلاشت الذات حتى مست روح علي رضي الله عنه روح النبي صلى الله عليه  وسلم وكأنه تلاشى فيه حتى إكتمل،
يتوهج علي رضي الله عنه كنجم يدور في فلك النبوة 
يسند علي رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم فيستند علي به الى الأبد 
لا عجب اذن ان يتصل علي رضي الله عنه بالنسب ويتزوج بضعة من محمد صلى الله عليه وسلم 
يتزوج بفاطمة رضي الله عنها شبيهة ابيها في كل شيء
في بيت خديجة يميل الى الصمت، يتعاظم الاسى في سويعات الرحيل  
ينسكب في روح المكان وتلتقط السماء صوت الوجع في الميزان 
من يظن أن خطى الانبياء لا تزاحمها العذابات
 واهم من يظن ان طريق الهجرة لم تعصف فيه غبار الذكريات
يقفل محمد صلى الله عليه وسلم سنين قريش 
ويرحل في بدء الخمسين من عمره 
قلب تجاوز عمر الشباب يزهر بالأمل 
ويحمل الغيم لطيبة ويهدي البشرية اسرار المواسم الخضراء 
لا وقت للأحزان  
هاهو النبي صلى الله عليه وسلم يمد بصره فيرى سراقة الجعشمي بعين النبي صلى الله عليه وسلم مالا يرى !

يرى سفن الإسلام على مرافئ الفرس ويرى الموريات قدحا على بساط كسرى 
يرى سراقة فرسه تغور في الرمال فينبته للاشارة ويفهم أن اقفال مكة على موعد مع مفاتيح محمد صلى الله عليه وسلم 
تبدو خطوات الهجرة بلا صدى على الرمال
تبدو غبورا عابرا ويظن بعض الرعاة ان خطوة الركب عاسرة !
فقد كان طريق الهجرة فارغا إلا من محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه 
وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينها ذاهبا كي يعد جيش الفتح ليصنع زحام العودة 
كان طريق الهجرة مسكونا بالحذر 
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ذاهبا كي يصنع في أصوات العائدين 
جاء الحق وزهق الباطل 
ذاهبا كي يشد الصحب اقواسا لبدر ولفتح مكة 
وقد اسرج خيله بنطاقي أسماء رضي الله عنها 
كي يصنع جيشا تتجلى فيه تضحيات النساء حيث تنزل المراة وهجها وقلادتها ونطاق خصرها لتأهيل خيل الغزاة 
المراة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم تدلل الخيل وتهبه بريقا
كانت أسماء تكتب نص الانوثة الحقيقية وتخبرنا أن زينة النساء رخيصة الا اذا توشحت بها أعناق الفاتحين 
من بعد أسماء قصصن النساء شعورهن لخيل الفتح 
وارتفعت اسماء بزينة المراة الى خلود الجنان بنطاقين في الجنة 
يعبر النبي صلى الله عليه وسلم عبر الغار تحوطه ثقة "إن الله معنا"
تلوك الجاهلية بقاياها ، فالهجرة توقيت البداية لإنتهاء الخروج 
تسقط قطرة عرق من جبين محمد صلى الله عليه وسلم وتغرق في الرمال الملتهبة 
تلك القطرة هي أول نقطة في طوفان محتدم سيجمعه محمد صلى الله عليه وسلم من عرق الصحابة 
ستمضي ملايين اللحظات قبل ان تكتشف قريش ان محمد صلى الله عليه وسلم كان ذاهبا كي يكتب بصمت عميق مرسية قريش الأخيرة 
ذاهبا كي يصنع رجال يتكئ الإسلام عليهم فلا تاكل قرضة الجاهلية مقابض سيوفهم 
ذاهبا في سنوات عشر لن يشيخ فيها لأن الذين يبذرون في صمت حكيم تزهر حقولهم على حين غفلة من الجاهلية 
ولا يبقى في أعمارهم موطئ للحزن 
الهجرة هي درس السماء أن العطر لا يفوح الا اذا كان مكنونا 
لذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم 
كي يزرع الجنائن بعرق الصمت حتى تتنفس عطرا ابديا في مآذن الارض 
عليك الصلاة والسلام يامن مسحت بسعي لا يكل عن قلوب الامة الجاهلية فارتد بتعبك الاعمى بصيرا 
نحن يارسول الله من تقصمت ظهورنا بالعجز ولو فقهنا فكرة الهجرة لما كمن لنا في الطريق طغاة



صلوا عليه بقدر حبكم اليه ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق